الحلبي

280

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

بعد اليوم على شيء ، وكتب رضي اللّه عنه إلى الأمصار : إني لم أعزل خالدا عن مبخلة ولا خيانة ولكن الناس فتنوا به فأحببت أن يعلموا أن اللّه هو الصانع ، أي وأن نصر خالد على من قاتله من المشركين ليس بقوته ولا بشجاعته ، بل بفضل اللّه . فالصّديق لم يعزل خالد بن الوليد مع فعله ما يكرهه بتأويل له في ذلك ، كما أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يعزله مع فعله لما كرهه صلى اللّه عليه وسلم حيث رفع يديه إلى السماء وقال : اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد ، لكونه كان شديدا على الكفار ، لرجحان المصلحة على المفسدة . وسيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه عزله لخوف افتتان الناس به ، فعزله وولى أبا عبيدة بن الجراح . قال بعضهم : كان الصديق رضي اللّه تعالى عنه لينا وخالد بن الوليد شديدا ، وعمر رضي اللّه تعالى عنه كان شديدا وأبو عبيدة لينا ، فكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه ليحصل التعادل ، واللّه أعلم . وأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان في القوم رجل قال لهم أنا لست من هؤلاء ولكني عشقت امرأة فلحقتها ، فدعوني أنظر إليها ثم افعلوا بي ما بدا لكم ، ثم أشار إلى نسوة مجتمعات غير بعيد . قال بعضهم : فقلت : واللّه ليسير ما طلب ، فأخذته حتى أوقفته عليهن فأنشد أبياتا ، ثم جئت به ، فقدموه فضربت عنقه ، فقامت امرأة من بينهن ، فجاءت حتى وقفت عليه فشهقت بفتح الهاء شهقة أو شهقتين ثم ماتت . أي وفي رواية فأكبت عليه تقبله حتى ماتت انتهى . أي وفي رواية فانحدرت إليه من هودجها فحنت عليه حتى ماتت ، فعند ذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أما كان فيكم رجل رحيم القلب » . سرية أبي عامر الأشعري رضي اللّه تعالى عنه إلى أوطاس لما انصرف صلى اللّه عليه وسلم من حنين وانهزم المشركون عسكر منهم طائفة بأوطاس ، فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبا عامر الأشعري عم أبي موسى الأشعري في جماعة فيهم أبو موسى الأشعري . ووقع في الأصل أن أبا عامر ابن عم أبي موسى الأشعري قال في النور وهو غلط ، وإنما أبو موسى ابن أخي أبي عامر . فلحقوا بالقوم وتناوشوا القتال : أي تكافئوا فيه ، وبارز أبو عامر تسعة ، ويقال إنهم إخوة وهو يقتلهم واحدا بعد واحد ، أي وصار كل من برز له منهم يدعوه إلى الإسلام فيأبي فيقول اللهم اشهد ويحمل عليه فيقتله . ثم برز له أخوهم العاشر فقتل أبا عامر ، أي فإنه قال له أسلم فأبى ، فقال : اللهم اشهد فقال : اللهم لا تشهد وفرش يديه ، فظن أبو عامر أنه أسلم فكف عنه ، فعاد إلى أبي عامر فقتله ثم أسلم وحسن إسلامه رضي اللّه عنه ، وكان إذا رآه صلى اللّه عليه وسلم يقول : هذا شريد أبي عامر .